170 Views
الأديب نزار الديراني & د. هزار أبرم

الدكتورة هزار أبرم
سورية/ جامعة حلب
تعد الدراسة التي قدمها الأديب والباحث نزار الديراني في كتاب مطبوع في دار جميّل للإنتاج والطبع سنة 2019، وهو من القطع الوسط، الذي يضم(144) صفحة، من الدراسات الأدبية الفريدة التي تفتقر إليها المكتبة السريانية، وإن كانت هذه الدراسة لا تنتمي إلى (الدراسات النقدية) كما صنفها الباحث ذاته.
فقد قَسَم الباحث كتابه إلى مقدمة وسبعة فصول، بدأ الباحث دراسته بتقديم تضمن رصداً موضوعياً صادقاً حقيقياً لواقع الساحة الثقافية الشعرية السريانية مشيراً إلى افتقار الوسط الأدبي لفن النقد للنص السرياني، وهذه حقيقة لا تغيب عن الباحثين في الآداب عامة، والأدب السرياني خاصة. ثم أشار الباحث إلى موقف الأديب السرياني من هذا الواقع، فهذا الأديب– كما يقول الباحث- « يُقدم ما لديه، ومن ثم يترك المنصة من غير أن يَعرف أين رسَتْ سفينته» ().
لم يفتأ الباحث عن قصدٍ أو غير قصدٍ يلمس جرحاً ألمَّ بالشعب العراقي عامة، والشعب السرياني خاصة، فهذا الجرح قد جعل من فرصة الاستقرار شبه معدومة، فمن حرب إلى حرب، ومن هجرة إلى هجرة، الأمر الذي أدى إلى أنه : « لم يتمكن الأديب السرياني من تطوير نفسه وتجربته» ().
ثم انتقل الباحث للحديث عن جهوده في دراسته السابقة والمنشورة خاصة، ليكمل الصورة التي رسمها والهدف الذي يسعى لتحقيقه فقال:« اتجهت في دراساتي المنشورة…. لتبيان مدى استفادة الأديب السرياني المعاصر من التجربة العالمية وقدرته على تأويل عمله الفني وإيصاله إلى القارئ من خلال الأسلوب الذي يتَّبعه ذلك الأديب»().
ولأن الباحث كان يحمل همَّ القارئ على الدوام، فقد أكّد أنه يسعى في كل أعماله إلى « لفتِ انتباهِ القارئِ إلى نقاط القوة في العمل، وإثارة الانفعال في نفسه»()، ليكون هذا القارئ مؤهلاً لتذوق النص الأدبي، والكشف عن مواطن الجمال فيه، وفرز النصوص الغثة من السمين منها.
فكانت محاولته الأولى في كتاب تحت عنوان: ” قصيدتنا المعاصرة ” الذي صدر سنة 1998م، وقد تناول فيه واقع اللغة السريانية في المئة سنة الأخيرة في كل من إيران والعراق”، وكانت تجربته الثانية سنة 2014م في كتابه الذي حمل عنوان” معالم الحداثة في الشعر السرياني من القرن (2) م”.
أما في دراسته هذه فقد تناول مجموعة من النصوص الشعرية المتنوعة مما وقع بين لديه، وانتفى عدداً من الشعراء ذوي تجارب مختلفة وقام بدراسة تجاربهم دراسة مستفيضة، وأشار إلى أنه سيكرر تجربته على مجموعة أخرى من الشعراء وذلك نظراً لأن الساحة الأدبية تعجّ بالكثير من هذه التجارب.
ولابدَّ من الإشارة هنا إلى أن التجربة التي خاضها الديراني لم تكن بمعزل عن إدراكه ما يلزم الوسط الأدبي، وحاجة الوسط، وحاجة كل أديب كي يرقى بذاته وفنه فيقدمه بأسلوب متميزٍ وهذا ما نلمح صداه بقول الديراني: «…لا نزال بحاجة إلى الكثير من الدراسات لتأسيس مدرسة نقدية سريانية تقود المسيرة أولاً، وترفد مكتبتنا ثانياً لتستفيد منها الأجيال القادمة» ().
وإن المتتبع لملامح شخصية الباحث التي انعكست من خلال وعيه اليقظ، ونقاء فكره، وصريح عباراته ووضوحها، يرى مدى التواضع العلمي والخلقي الذي يتمتع به الباحث وهذا ما نلمحه في معظم أقواله من مثل قوله: «… وعلينا أن نعمل سوياً لنؤهل أنفسنا أولاً، والأديب ثانياً كي يسعى عبر رحلته الطويلة في مضمار الأدب أو الفن لجعل نتاجاته ذات أسلوب مميز» ().

لقد عالج الباحث في هذا الكتاب وبحسب تقسيماته له جملة من القضايا التي تخص الشعر السرياني المعاصر.
فالفصل الأول ، حمل عنوان: ” نظرة شاملة في المشهد الثقافي السرياني”، حيث قدَّم فيه الباحث تتبعاً دقيقاً لمسيرة المشهد السرياني مروراً بالعهود المظلمة التي مرَّ بها الأدب السرياني وصولاً إلى عصره الذهبي في القرن (4) م، وأشار إلى أن هذا الأدب قد مثَّل حالة الشعب السرياني وما تعرض له من اضطهادات ومعاناة، ساهمت في انحدار الأدب وتراجع اللغة لتصبح حبيسة الكنائس والأديرة، فقلَّ دورها، وخَفتتْ جذوتها، وبعد تلك الفترة من الانحطاط التي دامت قرابة (5) قرون، بدأ الأدب السرياني بالانتعاش شيئاً فشيئاً رغم قلة إنتاجه وانحصار مواضيعه في مجالات محدودة، وكان للكنائس دور كبير في تنشيط الحركة الأدبية ونموها، إذ تسارعت وتيرة تأسيس المدارس والمطابع لطبع عشرات الكتب، وخصوصاً مناهج التعليم في مدارسها، فضلاً عن اهتمام المستشرقين باللغة علي الصعيدين الديني والأدبي.
ثم أشار الباحث إلى ألمٍ يقضّ مضاجع كل سرياني يغار على تراثه متسائلاً عن مصير عشرات المخطوطات السريانية القابعة في مكتبات العالم والمكتبات المحلية، وهل سيُتاح لأبناء السريان دراستها والارتواء منها ؟ وهل سيتجه الآخرون وخصوصاً العرب لدراسة هذه اللغة وترجمتها إلى العربية أو إلى اللغات الأخرى كما فعل السريان في العصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية ؟!
كذلك رصد الباحث واقع الأدب السرياني في العراق، مشيراً إلى إحراز العراق قصبَ السبقِ في تنشيط الأدب السرياني من خلال تأسيس منتديات أدبية سريانية ( اجتماعية- ثقافية) فضلاً عن مؤسسات أخرى كاتحاد الأدباء والكتاب السريان، وجمعية الفنانين، ومجمع اللغة السريانية، كما استعرض الباحث نشاطات هذه الأندية وخصوصاً اتحاد الأدباء والكتاب السريان، مبيناً دوره في عقد المهرجانات والمؤتمرات الأدبية والثقافية والندوات التي انعقدت داخل العراق وخارجه ( سورية، لبنان، مصر، ايران).
أما الفصل الثاني فحمل عنوان ” الحركة الأدبية والتجديد” إذ عرض الباحث فيه للحركة الأدبية في الشعر السرياني بدءاً من قصائد الشاعر” وفا الآرامي”، ومروراً بالقصيدة الكلاسيكية إلى القرن (19) م الذي ظهرت فيه كتابة الشعر الحر وقصيدة النثر، وازدهرا خصوصاً في فترة التسعينات.
ثم عمد الباحث إلى تحليل بعض النصوص الشعرية المعاصرة تحليلاً يقوم على دراسة البنية الإيقاعية والموسيقى الداخلية، والتكرار والصور الشعرية وما تتضمنه من ( تشابيه، واستعارات، ومجاز، وانزياح ..) وغيرها.
ثم وقف على القصيدة السريانية من حيث اللغة، ورأى أن التلاحم العضوي القائم بين الشعر واللغة،« يقتضي من الشاعر باعتباره تجربة شعرية متكاملة أن يمتلك لغة قادرة على أن تختزل كل مكونات القصيدة الشعرية من خيالٍ وصور موسيقية ومواقف إنسانية بأقل الكلمات» ().
وكذلك رأى الباحث أن القصائد المعاصرة لا بُدَّ وأنها تأثرت بالظروف التي تعيشها المنطقة، فالسريانية لم تبقَ حبيسة الكنائس والأديرة، بل أخذت تلازم حياة الشاعر اليومية، فكان على الشاعر السرياني أن ينهض بلهجته ولغته الدارجة ويطورها ليساير نهوض مجتمعه، فكان يحتاج إلى مفردات ومصطلحات جديدة، تتناسب وتحاكي واقع مجتمعه ومعاناته من حرب ودمار، فمعجم الشاعر لم يكن يعرف أو يمتلك التعبير عن مفردات حديثة مثل اسم الدبابة والمدرعة والصاروخ وغيرها، لذلك كان لا بُدَّ من أن ينهض بعبء هذه المهمة، فظهر هناك فئة من الأدباء الذين ساهموا إلى حدٍ كبير في إغناء قاموس الشاعر، وبذلك امتلك الجيل المعاصر لغة جديدة قادرة على التعبير عن الحياة اليومية التي يمكن أن يفهمها الشعب.
لقد أدرك الباحث أن هذا الإنجاز الأخير كان خير عونٍ للشاعر في تحريك وجدان القارئ وحثه للتأمل وتلمّس مواطن الجمال في الطبيعة والحياة وغيرها.
وانطلق الديراني من رأيه أن: « الشعر هو اكتشاف دائم للعالم الكلمة، واكتشاف مستمر للوجود عن طريق الكلمة» ()، مستشهداً برأي أحد الباحثين وهو “عز الدين إسماعيل ” حول الشعر فقال: « هو الوسيلة الوحيدة لغنى اللغة وغنى الحياة على السواء والشعر الذي لا يحقق هذه الغاية الحيوية لا يمكن أن يكون شعراً » ()، ليقسّم الواقع اللغوي إلى الغنائي بمفرداته العاطفية التي تكشف عن أنا الشاعر بقوة، والقصصي الذي يضفي على معطيات فكر الشاعر ثوباً موضوعياً.
وفي ضوء إيمان الباحث بمكانة الشعر ودور الشاعر الحق، وقف الباحث على عدد من الشعراء المعاصرين منهم :” نينب لماسو”، إذ رأى الباحث أن اهتمام الشاعر نينب الدؤوب باللغة ساهم في تطوير تجربته الشعرية، وإدراكه لمعنى الشعر والإحساس بالجمال، فكانت كلماته أشبه بالكائنات التي تنبض حياة وحيوية، كذلك كان الشاعر يجيد تطويع لغته وجعلها تستجيب للتعبير عن انفعالاته وأحاسيسه، كما النحَّات الذي يعمل من صلصاله ما يشاء من التماثيل، وعبَر الباحث عن ذلك بقوله :« … يشَكل (الشاعر) من الكلمة الواحدة عالماً من الكلمات من خلال صرفها وتطويعها في فضائه الشعري، فتنساب اللغة فيه كالنهر» ().
في حين رأى الباحث في اللغة الشعرية لدى الشاعر” شاكر سيفو” علاقة خفية بين جانبها الصوتي وجانبها الدلالي، فالشاعر يضع كلماته في حقول دلالية جديدة تختلف عن سياقها المألوف.
وكذلك رأى الباحث أن لغة “عادل دنو” تختزن أفكاره التي تغوص في عمق ذكرياته وتعيد كل ما تحمله تلك الذاكرة من معاناته وأفراحه وتجارب حياته اليومية من شوقٍ أو حبٍ أو حزنٍ أو مشاعر أخرى.
وأما الشاعر” يونان الهوزي”، فقد كانت لغته حاضرة دائماً كلما أراد الإفصاح عما يختلج في نفسه من مشاعر, فيصفها الباحث« … لغة تكوينية متدفقة كالموجات تنبثق الأفكار من خلاله وتتحول من لغة صوفية إلى لغة مرئية، تتشكل أحياناً كالحلم يحاول الشاعر أن يجسده بالكلمات، فهو رهين لحظته الشعرية» ().
ثم تابع الباحث تحليله للقصيدة المعاصرة فوقف على الشكل العام للقصيدة، الذي لم يعد وفق مفهوم الحداثة مرتبطاً بالوزن والقافية فحسب، بل يرتبط بحركة القصيدة، وطريقة تكوينها، ومراحل نموها، وعلاقة أجزائها بعضها ببعض، والإيقاع الموسيقي لها، والصور وغيرها.
إلا أن الباحث اقتصر في دراسته لشكل القصيدة على التركيز على الإيقاع بمستوييه الداخلي الذي يعني- كما عرّفه الباحث- ( الفهم المتكامل لنمو الحركة داخل البناء الكلي للقصيدة). والمستوى الخارجي الذي يعني (الحركة الصوتية التي تنشأ من نسق معين بين العناصر الصوتية في القصيدة).
وذهب الباحث إلى أن أغلب القصائد السريانية المعاصرة اتسمت بالجرأة في الانزياح عن الأطر القديمة، وأخذت تُبدع نماذج ترقى إلى تأسيس حالة شعورية جديدة, ورافق هذا التجديد والتطور خروج بعض الشعراء عن القوالب الشطرية الدخيلة على بنية القصيدة السريانية القديمة، والمستوردة من العربية في الفترة التي تلت القرن (12) م.
ورأى الباحث أن أغلب قصائد المجموعة من ذوات القصيدة المقطعية كانت كما سماها في دراساته السابقة ( بالشكل التقليدي الحديث).
ويتابع الباحث رصد تطور الشعر بدقة متناهية مفسراً ولادة ما يسمى حديثاً بقصيدة النثر، قائلاً:« … في خطوة لاحقة قام الشاعر بتفتيت البيت الشعري إلى دعامات، فأصبحت الدعامة هي الوحدة الإيقاعية التي تتكون من توالي مجموع حركات دون النظر إلى عدد السواكن، ويتكرر عدد الدعامات أو بالاكتفاء بدعامة واحدة في البيت بتكون الوزن الشعري بما يلائم قصيدته الغنائية أو الروائية والدرامية، لتحل في خانة الشعر الحر، ومن ثم خطوة أخرى ليحل كلياً في خانة قصيدة النثر سواءٌ أكان بناؤها مقطعياً أو كلياً» ().
كذلك لجأ الشاعر المعاصر إلى الاهتمام بالمفردة وحركاتها المتوازنة التي تولد إيقاعاً يضاف إلى إيقاع التكرار والصورة الشعرية، وليدلل الباحث على ما ذهب إليه استشهد بأحد شعرائه المعاصرين وهو: ” نينب لماسو” إذ يكرر الشاعر في قصيدة له جملة ليوظفها على المستويين الإيقاعي والفني, كذلك فعل غيره من الشعراء نحو: شاكر سيفو، وعادل دنو، ويونان الهوزي، وغيرهم.
كذلك وقف الباحث على القصيدة من حيث المضمون، فكان لابُدَّ أن يرصد واقع الحركة الشعرية التي تطورت وتجددت بفعل الظروف التي يعيشها الشاعر سواءٌ أكان في المدينة أو في القرية واستخدامه لمفردات جديدة وفق متطلبات بيئته، فرأى الباحث أن الشاعر السرياني كغيره من الشعراء كان مطالباً بالتجديد بمواضيعه ومفرداته مستفيداً من تجربته الشعرية في العربية ( ممن كان شاعراً بالعربية) وغيرها من اللغات كالفارسية (ممن كان يعيش في إيران)، فإذا بالشاعر السرياني يُزّين قصيدته بالعديد من الصور الوصفية والرمزية، كما حاول العديد من الشعراء التجديد من خلال استخدام الاستعارة كتلك التي كانت مستخدمة في الشعر العربي وشعر المهجر.
ورأى الباحث أن الهدف من استخدام الاستعارة هو رصْف الصور المتتالية لخلق إيحاء وانطباع لدى القارئ للتلذذ بجمال الحياة من خلال الوطن أو الحبيبة عبر سيل من المشاهد الساكنة أو المتحركة.
أما الفصل الثالث، فعنوانه: ” الصورة الشعرية”، وقد انطلق الباحث فيه من قول أحد النقاد وهو جابر عصفور:« هي الجوهر الثابت والدائم فيه» ليعرّف الصورة الشعرية مبرزاً مكانتها ودورها في النص إذ تُعد ركناً أساسياً فيه, وهي إحدى البنيات الإبداعية والطاقات الجمالية في عملية الخلق، وهي من أهم العوامل التي دفعت بالقصيدة إلى صوب الحداثة.
وقبل أن يفصّل في دراسته للصورة الشعرية عند مجموعته الشعرية المختارة قام بذكر أشكال الصورة الشعرية في الشعر السرياني القديم لدى فحول الشعراء, وقسّمهم إلى أربع مدارس شعرية هي : 1- مدرسة مار أفرام (+306م).
2- مدرسة مار اسحق الانطاكي (+343م).
3- مدرسة الشاعر يعقوب السروجي ( + 451م).
4- مدرسة ابن العبري ( + 1226 م).
ثم فرّق الباحث بين هذه المدارس، وأشار إلى ما سيتناوله في دراسته للصورة الشعرية لدى الشعراء السريان المعاصرين، حيث وقف على الصورة الغنائية, والصورة السردية ( الروائية), والصورة الدرامية.
وقد عدَّ الباحث الصورة الفنية في النص الشعري الغنائي، واحدة من أبرز الأدوات التي يستخدمها الشاعر السرياني في بناء قصيدته, وتجسيد أحاسيسه ومشاعره للتعبير عما يدور في مخيلته من أفكار, وتصورات تهّم الإنسان والأرض والحياة.
ورأى أن استخدام هذه الصورة ليس بجديد على الشاعر السرياني، لكن الشعراء المحدثين حفلوا باستخدام الصورة المبنية من مواد محسوسة وموجودة في الطبيعة، لا صور ٍميتافيزيقية لاهوتية, كما عند الشعراء القدماء، وهذه الصورة تختلف عن سابقتها بطريقة تشكيلها وبنائها, وبطبيعة العلاقات القائمة بين عناصرها المختلفة حتى غدت ملمحاً بارزاً في نصوصهم الشعرية، وعلاقة فارقة تدل على تطور الشعر السرياني بصقة عامة.
ففي قصائد” عادل دنو” تتشكل الصور الشعرية وتتحول مفرداتها أحياناً إلى الرمز والإيحاء وتتخذ منها وسيلة للتعبير عن العديد من القصائد التي تعتلج مخيلة الشاعر، والتي تحاول دائماً ترجمة أنويته التي تسعى باستمرار أو تعيش في بحث مستمر عن وطنٍ يأوي إليه بكل أحزانه ومآسيه, حيث قال في قصيدة له : لم يكن الوطن هو الذي رسم الدرب
الوطن كان هو الوطن
الذي ربط القلب والقلم والحبر
فهذه الصورة كما وصفها الباحث، التي رسمها الشاعر” تخفي وراءها عالماً شاسعاً اختصره بـأقل ما يمكن من الكلمات”.
وكذلك الحال عند الشاعرين ” يونان الهوازي, ونينب لماسو” أيضاً, حيث اعتمدا في نصوصهما على الوصف المباشر والتشبيه، والبيان التقليدي في رسم صورهما الفنية المبنية على التشبيه بتوافر أهم أركانه, المشبه والمشبه به.
ثم انتقل الباحث للوقوف على بنية الصورة السردية محدداً ولادتها في التجربة السريانية في القرن (4) م تقريباً. ورأى أن السردية بدت واضحة في أغلب نصوص شعراء السريان ممن يكتبون القصيدة الروائية وقصيدة الدراما, إذ قال: «.. فالشاعر السرياني يلجأ أحياناً إلى التلوين في صيغ الخطاب, فيستخدم المنولوج الذاتي، والحوار، والوصف إلى جانب السرد وتقنيّة الحلم, فتغدو القصيدة الشعرية عنده فضاءً للتصوير المشهدي» ().
وأكد الباحث ما ذهب إليه عن طريق الاستشهاد بأدلة مستقاة من التجارب الشعرية التي وقف عليها. وتجلى ذلك من خلال تتبعه المتناهي للصور الشعرية عند الشاعر” نينب لماسو” في مجموعتيه الشعريتين” عنواني المسروق، وعنواني المفقود ” فيغوص الباحث في أعماق نفس شاعره فيحلل تلك الصور بإبداع ومحاكاة عقلية واحترافية لافتة، فيبدو الباحث كما لو كان العقل الباطن لشاعره، وقد اتبع الباحث الأسلوب ذاته مع شعراء غيره مثل : أنور أتو, شاكر سيفة، ابراهيم يلدا.
ثم وقف الباحث أيضاً على بنية الصورة الدرامية التي تتجلى بمفهومها السينمائي داخل النص من خلال الحوار الداخلي من ناحية, والحوار الخارجي من ناحية أخرى. كذلك عزّز فكرته ورأيه بأدلة وشواهد شعرية مناسبة من التجارب الشعرية التي وقف عليها.
أما الفصل الرابع فحمل عنوان : ” جمالية المتخيل الرمزي والأسطوري”، الذي عنى به : الحدث الشعري الذي يبنى على المتخيل الأسطوري من حيث العمق والامتداد والكثافة والإيحاء. وقال أيضاً: « إن استدعاء الأسطورة وكثافتها الرمزية في تجربة الشعراء السريان تنبع من طبيعة الرؤيا التي تقدمها التجربة على المستويين الفكري والجمالي»


ورأى الباحث أن الشاعر السرياني يلجأ في أكثر الأحيان إلى توظيف أسماء ملوكه, أو أساطيرهم وتراثهم و ليتورجيتهم, فتتحول هذه الأساطير وعناصر التراث إلى رموز تساعد على تعميق تجربته الشعرية وتمنحها بعداً شمولياً. وقدم الباحث دليلاً على رأيه من خلال بعض الشواهد الشعرية للشاعر” شاكر سيفو” الذي وظّف الكثير من عناصر التراث الشخصيات الأسطورية في شعره مثل: ( أنكيدو، لماسو, أوتونابشتم)، وكذلك الحال مع شعرائه الآخرين نحو: ( عادل دنو، ابراهيم يلدا, وأنور أنو).
و في الفصل الخامس الذي حمل عنوان: التكثيف ” قصيدة الومضة”، وضح الباحث مفهوم القصيدة الومضة فقال: «.. يمكن اعتبار أن قصيدة الومضة نمط جديد من أنماط القصيدة السريانية المعاصرة، ومن أجل ديمومتها يجب أن تكون لها القدرة كي تستفز عقل المتلقي وفكره»(). واستطرد قائلاً: ولأن قصيدة الومضة تكون لحظة شعرية أو مشهداً أو موقفاً أو إحساساً شعرياً خاطفاً, تأتي القصيدة محمّلة بدلالات كثيرة… ومن بين الشعراء الذين أجادوا في القصيدة الومضة، الشاعر” شاكر سيفو” كما في قصيدته ” نادية ” حيث مطلعها : نون نون نون
قالوا عنا ( نون) وكتبوا على أبواب بيوت أقربائنا في نينوى (نون).
وأشار الباحث أن حرف النون هنا في القصيدة لم يكن حرفاً جامداً بل شحنه بمفاهيم كثيرة من بينها ( حضارة مدينة تمتد آلاف السنين, والسمكة التي بلعت يونان، والسمكة التي تكاثرت بفعل قوة المسيح وهكذا….).
وبرأي الباحث إن الشاعر يحاول دوماً بناء قصيدته على شحن كلماته بأكثر ما يمكن من المعاني التي تولّد اهتزازاً للإضاءات السريعة الخاطفة سواءٌ أكانت فكرية أم وجدانية, وهذا لا يتأتى إلا بلغة الشعر التي اكتسبت مع توالي الخبرة القدرةَ على التكثيف الهائل للمعاني.
وكذلك الحال بالنسبة إلى شاعر آخر وهو” أنور أنو” إذ يمكن درج قصيدته ” الحب الصادق” ضمن قصيدة الومضة, حيث جاءت على شكل تساؤلات حملت بعضها بين طياتها مفردات مركّزة, فرأى الباحث أنه يمكن عدّ مثل هذه التساؤلات ومضات شعرية خاطفة خلقت تعبيرها المكثف والمركز في صور شعرية مكتملة المعنى.
ولخص الباحث رأيه بقصيدة الومضة بقوله:« …. إن اللغة التي تنتظم فيها قصيدة الومضة تتمتع بعدد من السمات أهمها: القصد، والتركيز، والتكثيف، وزيادة الأفعال التي تجعل من القصيدة في تحرك مستمر؛ لتكتسب أهميتها من أنها تجري وفق النسقين: الزماني, والمكاني اللذين يتحدان في نقطة واحدة. لذا نجد الشاعر يحمل قصيدته بأقصى الطاقات المجازية والتخيلية لكي تفرض وجودها في النظام الشعري ككل»().
وجاء الفصل السادس بعنوان:” فاعلية العنونة ودلالتها في تجارب الشعراء السريان”، حيث انطلق الباحث فيه من أهمية العنونة باعتبارها أهم المفاتيح التي تُمكن من الخوض في أغوار النص والولوج في أعماقه, ورأى أن الشاعر يحاول من خلال انتخاب عناوينه الدالة والموحية أن يُلفت انتباه المتلقي, أو القارئ, ومع تطور تلك التجربة والإضافات التي قدمتها التجارب الشعرية, فقد دخلت استراتيجية بناء العنوان طوراً جديداً, وأصبح هذا عند بعض الشعراء جزءاً من البنية الكلية للتجربة الشعرية, وقد دعم الباحث رأيه بتجربة الشاعر” شاكر سيفو” التي اتخذت استراتيجية بناء العنوان في أعماله الشعرية أكثر من مسار كما في عناوين مجاميعه الشعرية): أقماط بغديدا, لأن غيرة بيتك أكلتني، طوبى لأنجم ألوهيتك، نقوش، فجر اسمي، نوافذ .. وغيرها.
وكذلك عناوين قصائده : أنشودة الحليب الأول، اليوم الثامن من أيام آدم, الأنشودة الإلهية, لاتنسي أن تقبليني. فالعنوان لدى الشاعر” شاكر سيفو” بحسب رأي الباحث هو صاحب الدور الأول في إكساب القارئ معرفة بالنص، والقيام بمهمة تنظيم هذه المعرفة وتأويلها… فيقول الباحث: « قد يكون الشاعر من بين الشعراء القلائل الذين يهتمون كثيراً بعنونة قصائدهم ومجاميعهم، حيث تشكل هذه العتبات مدخلاً يختزن ويكثف مضمون تجربته الشعرية ودلالاتها, ويوحي بها, وهي تعبر عن ذات القصيدة ذات الشاعر المتلازمة بقلقها وأوجاعها وأسئلتها الملحّة لاسيما على المستوى الوجودي الإنساني»().
وأضاف الباحث: إن العنونة كذلك تلعب دوراً مهماً في عكس مضامين النصوص الشعرية بالنسبة لشعراء آخرين مثل: نينب لماسو, ويونان الهوزي, وعادل دنو, وابراهيم يلدا, وغيرهم.
وجاء الفصل السابع بعنوان: ” الأنوية الفاعلة ودلالاتها لدى الشعراء السريان” فقد ركّز الباحث فيه على دراسة الأنوية الفاعلة ودلالاتها لدى الشعراء السريان.
إذ رأى الباحث أن المبدع شاعراً كان أم قاصاً روائياً أم …., لديه قدرات متميزة لصياغة وجدانه الداخلي الذي ساير معاناة الأنا, وكان ظلم الآخر بقلمه, ونتاجه الشعري, لأن القصيدة الحقيقية تنفجر داخل الذات أولاً, ثم تخرج من أعماق الشاعر, لذا فالأنا بالنسبة للشاعر هي إدراك للحقيقة الشعرية كونها تعتبر ذاتيته لأنه من خلالها سيمتلك بعداً إنسانياً مفعماً بخصائص متعددة كالفرح والحزن والأمل محاولاً أن يعطي لكل منها معنىً, فهو يحاول أن يمسك من خلالها بلحظة التوهج الشعري, وتتفاوت الأنا من شاعر إلى آخر فقد تطغى شخصية الشاعر على النص فتظهر( أناه) أكثر, وهناك من تختفي أناه لتحل محلها أنا الجميع.
ومن الشعراء الذين ظهرت أناهم في شعرهم الشاعر ” نينوس نيراري” كما في قصيدته ” لا تدفنوا شهدائنا….. فإنهم لازالوا أحياءً فينا”.
كذلك تنوعت صور الشاعر في علاقات الذات مع الآخر، إذ تصبح ذات السارد الأنا في موقف متناقض تجاه الآخر، حيث أبدع الشاعر” نينوس” في توظيف أناه وما تمثله من دلالات وإيحاءات من أجل توصيل حالات ذهنية بلغة مرئية. كذلك تمكن الشاعر من استغلال كافة العناصر الفنية البنائية المشكلة للعمل الشعري في جذب الآخر نحوه.
أما النموذج الثاني الذي وقف عليه الباحث فهو الشاعر ” نينب لماسو” إذ وجد أن قصائده تبدو كأنها مرآة الذات الفردية فمثلت أناه بوصفها فاعلاً شعرياً لتنوب عنه في ميدان ( الأنا) ليأخذ من التمركز الأنوي وسيلة تفاعل وتواصل مع أنا الآخر من خلال فيضه الشعري, وقد تجلى ذلك في قصائد عدة منها قصيدة ( عانقيني), و( الانتظار والولادة) وقصيدة ( طوبى) , وغيرها.
لقد نجح الباحث في التوغل في ذات شعرائه وعوالمهم الشعرية, وسبر أغوارهم، واستطاع رصد أدقّ تفاصيل شخصياتهم, وكذلك قدم تفسيراً دقيقاً لدلالات مفرداتهم, ورموزهم الشعرية وعلاقتها بشخصيتهم, وحالتهم النفسية.
فمن بين هؤلاء الشعراء : الشاعرة ” إينانا هرمز” التي تناصت في قصيدتها الشمعة مع ما ذهب إليه شمس التبريزي في مفهومه للعطاء، وقد تداخلت أحداث تاريخية تراثية مع نصها الشعري، مما أكسب تجربتها الشعرية دلالات تاريخية تنسجم مع أبعاد التجربة المعاصرة.
كذلك الحال مع تجربة الشاعر” عادل دنو” حيث ذهب الباحث إلى أن الشاعر” دنو” قد استدعى أناه ليقيم بينها وبين ماضيه علاقات وجدانية ليعبر عن عواطفه الجياشة ولاسيما في مجموعته الشعرية ” أوصاني كياني” في قصيدته: ” الإيمان”. كذلك وقف الباحث على تجربة الشاعر نينوس نيراري في قصيدته” لا تدفنوا شهداءنا، فإنهم لازالوا أحياء”, والشاعر: ونينب لماسو, في قصيدتيه” عانقيني”, و” دقات في الصباح”, والشاعر عادل دنو في قصيدتيه” موصل القديمة”، ” القلم والحبر”, وغيره .
أما الشعراء الذين تختفي أناهم إلى حد ما ليحلّ محلها الأنا الجمعي, فمنهم : شاكر سيفو, في مجموعته الشعرية ” دقات”, ويونان الهوزي في مجموعته الشعرية ” صباحات”, و إبراهيم يلدا. في قصيدتيه ” شهر نيسان”, و” الموت والميلاد”.
وأخيراً: من خلال وقوفنا على دراسة الباحث نزار الديراني رأينا أن الباحث أبرز وعياً وحساً فريدين تنقّل بهما عبر محطات تأملية بين عوالم شعرائه الداخلية وسبر أغوارها بثقة وإدراك لما يريد. فقد بدت قوة ثقته بأهدافه من خلال شرحه وتعريفه لمصطلحات دراسته قبل البدء بذكر الخطوات التي سيتبعها في منهجه ومبرراتها، فحين يقف على شرح قضية من قضاياه، كان يبرز إحساساً مفرطاً بما يختلج في نفس شاعره، فيمدحه حيناً، ويدافع عنه حيناً أخر، ويصور تجربته بدقة، فيتعاطف معه كصديق له، أو مشاهد معجب به، أو محامٍ حاذق نبيل.
لم يفتأ الباحث يدلّل على مدى ثقافته وطول تجربته في هذا المضمار من خلال الاستشهاد بقول لأحد النقاد أو الدارسين الذي يكون منطلقاً يبدأ منه، مبيناً قدرته على الولوج في عباب بحرٍ يحدد مداه بنفسه، ويعرف أن يرسو ومتى ؟!
كذلك برع الباحث في الولوج في ذات (أنا) شعرائه, ووصفها, وربطها بشخصيتهم, ورسم عوالمهم بدقة متناهية تدلل على أن الباحث لم يكن متلقياً عادياً بل كان فناناً حقيقياً, وباحثاً مثقفاً امتلك كل أدواته, وأهمها رهافة الحس التي ساهمت إلى حدٍ كبير في رسم مكنونات شخصيات شعرائه, واستحضار عوالمهم الماضوية, وربطها بحياتهم المعاصرة, وخاض رحلته معهم فكان رباناً ماهراً بارعاً قاد مركبه, ووصل ميناءه ومبتغاه.