23 Views
د. وجيه فانوس

الدكتور وجيه فانوس

(رئيس المركز الثقافي الإسلامي)

كنتُ، منذُ سنينَ بعيدةٍ، أشكُّ بأنَّها، وكما يقال في المحكيّةِ العربيَّةِ اللّبنانيّةِ، “لحظة تخلٍّ” وقعَ فيها بعضُ أهلِ النّظام في لبنان؛ يوم قرّروا أن ينشؤوا، سنة 1967، “كليّة التّربية” في “الجامعة اللّبنانيّة”! إنَّها”كلِيَّةٌ” أكَّد نظامها على أنَّها حقلٌ تعليميٌّ وتثقيفيٌّ لروَّاده، مبنيٌّ على تفرُّغِ هؤلاءِ الروَّادِ للدَّرسِ والبحثِ والتَّفكُّرِ؛ ليتخرَّجوا، من ثَمَّ، أساتذةً يربُّون أجيالَ النَّاشئةِ ويسهرون على تثقيفهم وتحضيرهم لحملِ ألويةِ الوطنِ خفَّاقةً بعيداً عن ظلامِ الطَّائفيَّةِ وغباءِ المناطقيَّةِ وعمى الاستزلامِ للزَّعيم.

منذُ سنوات، ليست بكثيرةٍ، أصبح، ما كان لديّ من باب الظنّ، يرتعُ في رحاب اليقين؛ خاصّةً وأنّ أهل النّظام شعروا بما آذوا به نظامهم الطَّائفيِّ الإقطاعِيِّ الاستزلامِيِّ؛ إذعمدوا، ومنذ سنوات، الى تشويه ما قاموا به والانتقام منه، عبر تسعير الاقتتال الأهليّ وتأجيج الفساد الإداريّ وإطلاقِ الهدر الماليّ وتشييع الانهيار الاقتصادي ونشر البؤس السِّياسيِّ، يذيقون بوجعَ هذه المفاسد ناس البلد، كلّ ناس البلد؛ ويعودُ القومُ، إلى قرفصةٍ ذليلةٍ تحت قناطر أزقَّة الطَّائفيَّةِ وتَلَطٍّ لا طائلَ منهُ خلفَ جدران المناطقيَّة وانحناءٍ قاتلٍ عند أقدامِ الزُّعماء.

يقفُ اليومَ الدكتور “شربل داغر”؛ شاهداً رائعاً على “لحظةِ التَّخلّي” التي وقع فيها أهل النّظام، وشاهداً أشدَّ روعةً وأكثر بهاءً على ما يمكن أن نُجابه به ما يحيقُ بهذا الوطن من اقتتال وفساد وهدر وانهيار وبؤس وانحلال.

 “شربل داغر”، هو ابن”كليّة التّربية” في “الجامعة اللبنانيّة”؛ يوم كان لهذه الكليّة أن تضم الى رحابها النّخبة المختارة من أبناء الوطن، كلّ الوطن، متفرّغين لتلقّي المعرفة وإنضاجها وإنتاج معارف من خلالها.

كانوا يأتون من كلّ حدبٍ وصوب؛معظمهم يحمل فَقره وبؤسه الاجتماعي على كتفيه، وقد ضوَّأ جبينه سراجٌ لِلأملِ يبحث فيه، كما”ديوجين”، عن حياة كريمةٍ وفكرٍ حرٍّ ووطنٍ مزدهرٍ وعِلمٍ ينفع. جميع الاختصاصات كانت متاحة، ونُخَبُ الأساتذة كانوا قيد أنملةٍ من الطلّاب، أمَّا الوقت فكان منذوراً للتفكير والتفاعل الاجتماعي، كما كانت الحريَّةُ والسياسةُ والوطنيّةُ والنّضالُ من مشاعاتِ الوجود.

د. شربل داغر

العزيز “شربل”، كان من بين طلاَّب هذه النّخبة؛ وقد أتاحت له الكليّة بنظامها ذاك، امكانيّات التفرّغ للعلم والفكر وكل ما يسعى إليه ويقدر عليه من تجارب النّضال والتّلاقي مع الاخر والنّهل من قمم أساطين المعرفة.

أمثالُ”شربل” كانوا كثرًا؛ كلّ واحد منهم ذهب في طريق اختطه لذاته، وبرز في معارج هذا الطّريق، حتّى أصبح عَلَماً يشار اليه بضياء الوطنيّة المشرق وتلألؤ العزّة الأخَّاذ وشعشعانيَّة الإيمانِ الوطنيِّ المُقَدَّسِ المحيطة بقلب الوطن النّابض.

  نجحت “الجامعة اللّبنانيّة”، عبر “كليّة التّربية” وبنظام التفرّغ لهذه الكليّة، في أن تقدّم بذوراً معطاءً لـ”شربل داغر”؛ يعاينُ، انطلاقاً منها، حيويَّةَ الأدب العربيِّ،متعمقاً في محطَّات تاريخ شَّعره ونثره وأعلامه وتوجُّهاته ومدارسه وفنونه، وصولاً الى أزمنة المعاصرة فيه، دارساً وباحثاً ومعلّماً ومنظّراً ومبدعاً في أفياء العطاء الجماليّ.

بانطلاقته من “كليّة التَّربية”، وعبر تعزيز ما استوعبه من معطيات قدّمتها الحياة في تلك الكليّة، تنقّل “شربل” بين الأدب والفنّ والواقع والرؤيا والرأي، فأصدر كتباً وأنشأ دراسات ونشر سرديّات وقصائد؛ وبات، من ثمَّ، متربّعاً على سُدّة كريمة للأكاديميا والمعرفةِ، يحيا فيها أستاذيّةَ الأدبِ وريادةَ الفكرِ وسموَّ التّعليم الجامعي.

صديقي “شربل”، لئن كنا نقف إلى جانب وجودك الفذِّ، وقد لبسنا ثوب الإحرامِ الأكَّاديمي؛ فما هذا إلاَّ لنقوم بمناسكِ “السَّعي” في حرم عطاءاتك، حائزاً على جائزة الشّيخ زايد للكتاب لسنة 2019 عن كتابك “الشّعر العربي الحديث”؛ ونحن، في “سعينا” هذا، لا ننتحلَّق سوى حول تجربة رائعة لوطن طالما سعينا اليه، ولطالما ناضلنا لنمشي على الدّروب الموصلة إلى حقيقةِ رؤانا فيهِ؛ لكننا، يا زميلي وصديقي ورفيقي “شربل”،  فُجعنا، بعودةِ الوعي البائسِ إلى أهل النّظام واكتشافهم، بوعيهم السَّقيم، بؤس ما اوقعوا أنفسهم ونظامهم فيه بتعزيزهم “الجامعة اللّبنانيّة” وتخصيص “كليّة التّربية” فيها للتفرّغ العلمي التّام!

هاهم، لم يتوانوا، ومنذ زمن، عن إلغاء ذلك النِّظام الفذِّ لتلك الكليَّةِ الفريدةِ؛ وهاهم لم يتوانوا لحظة عن انجرارٍ لئيمٍ الى ساحات اقتتال أهليٍّ، وانغماسٍ شَرِهٍ في فساد إداريٍّ مقيمٍ، وشبقٍ لا يرعوي إلى هدرٍ ماليٍّ فاسقٍ، ورعونةٍ لا تخجل من عيش بؤسٍ سياسيٍّ وقِح، ووهنٍ أكاديميٍّ مؤسف. كيف لا، وفي هذا ضمانٌ أكيدٌ لاستمرارهم في مفاهيم الإقطاع والاستغلال والقهر والاستبداد والعُهر الوطني.

 رفيقي “شربل”، كنّا في مرحلة شبابنا خريجي تلك الكليّة؛ نشبه في آمالِنا صوت “يوحنّا” الصّارخ في البريّة، المبشّر بقدوم المُخلّص؛ فإذا بنا، في كهولتنا وبداية شيخوختنا، قد تحلَّق حولَنا ألف ألف يهوذا، وها نحن نُجلد على درب جلجلة أمام أعين لا يشبعها إلّا أن نُرفع على الصّليب.

ها أنتَ، يا عزيزي “شربل داغر” تقفُ، ببهاء عِلْمِكَ وجمالِ إبداعكَ، وعشراتِ المؤلَّفاتِ الفكريّة والأدبيّة والنقديّة، وسائرِ إنجازاتكَ المنتشرة عبر أفياء الدّنيا، صارخاً بصلابة “يوحنَّا” وعمق إيمان “المُخَلِّص”، أنْ لا بدّ لنا من أن نقوم من موتِ الوطن، وأن نَهَبَ الحياةَ لأنفسنا ولوطننا ولِمَنْ سيأتي بعدَنا.

بمثلك،”شربل داغر”، تحيا الأوطان.

*نقلا عن موقع Aleph Lam