100 Views
الأديبة نجلاء عطية /تونس

قبل أن أسافر
قالت وهي تقضم أظافر يديها في توتر متصاعد :
….حين يقبل المساء وتميل الشمس إلى المغيب لا تسمح لنا جدتي من أمي بالنوم، تقول أن الجن يمكر بالأطفال في تلك الساعة…كنت أخاف الجن ككل الأطفال والجدات …و كنت أخاف أكثر من مغبة الامتثال لما تقوله لنا جدتي التي أحب فلا أنام…
توالت السنوات انضبطت خلالها إلى نصائح جدتي …فلم أسكب مرة ماء يغلي على التراب ليلا خوفا من لعنة تصيبني من سكان تحت الأرض لم تخبرني جدتي عنهم شيئا سوى أنهم أشرار …أعترف أني لم أقترب يوما من القطة السوداء بدار جارتنا (نعيمة).. وأعترف أيضا و دون ذنب محدد أن علاقتي قد ساءت بالقطط على اختلاف ألوانها …ربما حتى أعدل بين تلك الكائنات فلم يتقبل عقلي أن للجن علاقة بالألوان لكن بالقطط فالأمر يبدو مقنعا لأني أكره شجارها تحت نافذتي فتمنعني من التركيز فيما كتبه كانط أو هيجل أو شيكسبير…. لا أظن أن مثل هؤلاء المجانين كانت لهم جدة كجدتي …. عشت طفولتي أشتهي أن أصفر كأخي المتمرد على تلك الخرافات، هكذا يسميها مستخفا بي …ورغم ذلك كنت أجري وأضع يدي على فمه كما أرى جدتي تفعل …كنت أخاف أن يتجرأ أكثر على هؤلاء الذين يحومون حولنا ويتربصون بنا في كل حين …ورغم توسلاتي له حتى يمتثل لقانون هؤلاء الغرباء إلا أنه كان يصرّ على استقبال العيد بالتصفيق والتصفير والتهليل ككل الأولاد ….أما أنا فكنت أكتفي بالفرح المشوب بالخوف … أنا أيضا لم ألعب بالمقص بالبيت ولا حتى في المدرسة ككل أقراني في الفصل وأعجز عن تقديم السبب، فقط أقول لهم أني لا أحب ذلك ، أظنهم كانوا يتعجبون من سلوكي وربما كانوا يتساءلون فيما بينهم عن سبب يجعل طفلا في مثل سني لا يجد متعة في قص الملصقات والأوراق الملونة ولكنهم يتلهون عني باللعب …كنت أقول لنفسي:
ماذا لو يلاحقني الجن إلى هناك ؟ ماذا لو تمردت وتدفع عائلتي الثمن….وهكذا لم ألعب بالمقص وإلى اليوم لا أجيد استعماله فيسخر مني ابني ذو الخمس سنوات…
أنا لم أخبره أن المقص صوته جنائزي ويجلب النكد للبيوت …لم أفعل كي لا أتشاجر مع زوجي فجدته من أمه قد ماتت قبل أن يولد ولن يفهم ما أقول …لن يفهم أحد أني أكره المقص وهكذا حميت عائلتي من النكد ….
أخبرك دكتور أني مازلت أحتفظ بدروس جدتي و لم أحد عنها طوعا في ذلك الوقت ….أما اليوم فإني لم أعد أتحمل …
أنت تعلم أني نلت من شهادات الجامعة أهمها وقرأت من الكتب ما يعجز عنه الكثيرون ورغم ذلك مازلت أخاف من الجن …كيف يمكنني أن أخبر زوجي أنني لن أسافر وأنا على هذه الحال…
ابتسمت لها حتى أمتص توترها رغم أني قلق…فأغمضت عينيها وأردفت :
زيارتي إليك هذا اليوم دليل على أني مازلت أميل إلى الامتثال لتلك الأشياء ….نحن مقبلون على السفر إلى أروبا وهناك لن يفهموا شيئا مما أقول…. هواجسي مرتبطة بجدتي…وجدتي ماتت منذ سنين بعيدة ولكني ….صدقا دكتور إني أعجز عن تفسير ما أشعر به ….هل عليّ أن أخجل … هناك ليست لهم جدات كجدتي إذن لا جنّ لديهم….
أحب أن تساعدني على أن أشفى من حب جدتي فأتخلص من حكايتي مع الجن قبل أن يحين موعد السفر…
أربكتني بهذا الطلب فنهضت مسرعا ودرجت باتجاه النافذة، قضمت أظافري وقلت:
هل تعلمين؟…
قالت؛ ها!!! هل من حلّ لهذا الأمر؟
أجبت: نعم …موعدنا الأسبوع القادم بنفس التوقيت…
غادرت وبدا عليها عدم الاقتناع بي ….ورغم ذلك انتظرتها….جاءت وواصلنا الحديث، بدت أقل توترا…أو هكذا شعرت….
بعد شهرين، التقيت بتلك السيدة بالمطار، كنا متجهين إلى عاصمة الأنوار …تبادلنا التحية وانصرف كل منا مع عائلته ولم أخبر أحدا أني أخيرا تمكنت من السفر ….
اليوم تلقيت رسالة منها و هذا ما جاء فيها :
بعد التحية والاحترام أريد أن أعتذر منك دكتور لأني أخفيت عنك سرا وهو أن جدتي من أمي هي الأخرى قد ماتت قبل أن أولد….
فضحكت طويلا وكتبت لها ما يلي:
يقول جون لي كاريه: “نحن لا نعيش في الواقع، إنما نزوره ” …
شكرا على مساعدتي
الأديبة نجلاء عطية