100 Views
الشاعرة و الروائية اد الحبيب / تونس

ونحن نحبّ السّعادة ما استطعنا إليها سبيلا

الروائية وداد الحبيب

كانت أمسية شعرية في إحدى ضواحي العاصمة. ركن من المكتبة العمومية بدار الثقافة يتحوّل مساء كل سبت إلى فضاء لإلقاء الشعر وتقديم الكتب. روّاد النادي لا يتجاوزون في أقصى الحالات العشرين فردا . نفس الوجوه بنفس الملامح و الكلمات وأحيانا بنفس الملابس. جمعهم حب الثقافة وعشقهم للكتب على الأقل هذا ما يقولون.
كنت هناك يومها. تسمّرت على الكرسي قبالة طاولة المدعوين. وسط الطاولة مكروفون السيد جمال رئيس النادي ومنظم الأمسية. حاولت أن ألتهم اللحظة بجميع تفاصيلها. أن أدرك ما يحصل وما لا يحصل. أن أسجن في ذاكرتي كلّ ما يقال، كلّ الأسماء، كلّ همسة وحركة وحتّى الملامح والملابس. أكيد للمثقفين ذوقهم الخاصّ في اللباس ورؤية مختلفة في التّعامل مع المظهر الخارجي من ملابس وألوان وعطور وتسريحة الشّعر. أردت أن أجعل من عينيّ مخزنا أدوّن فيه كلّ ملاحظاتي .
جميل أن تُجالس الأدباء والشّعراء وتروي شيئا من شغفك للشّعر والأدب ثم تستمع لعبارات الإطراء ونادرا بعض الأسئلة أو النّقد.شعور عميق بالرضا اجتاحني لمجرّد تواجدي هناك. يقولون لكلّ مكان طاقته الخاصة. وأنا في رحاب الكتب والفكر والمثقفين، أكيد لهذا الرّكن طاقة إيجابية مرتفعة وهي سبب شعوري بالانتشاء.
كنت جالسة بجانب صديق يستمع أحيانا لما يُقال ويبتسم أغلب الوقت لهاتفه الجوال وهو يحادث مجهولا. على الأرجح فتاة تريد أن تستمتع هي أيضا بأمسية يوم السّبت، لكن على طريقتها الخاصّة. صديقي روائيّ يعشق الكلمة ولا يتخلف عن تلبية واجب مواكبة النشاطات الثقافيّة . لكن لا يمكنه أيضا تجاهل فتاة تثير رجولته. فتاة تغذّي روحه وجسده حتّى ولو كانت مجهولة وإن كانت من نسج خياله فهو لا يعرف اسمها الحقيقي ولا شكلها و لا صوتها. فكرة الأنثى كافية بأن تغنيه عن جميع الترّهات والتّفاصيل. كنت أنظر إليه بين الفينة والأخرى، فابتسم لسعادته الغامرة المرسومة على ملامحه والمشعّة من عينيه. لا أدري إن كنت قد حسدته على تلك اللّحظات من السّعادة الواهمة فقد بدا وجهه أكثر جمالا وهو يحادث هذا الشّبح. آه لو أستطيع الظّفر بهذا الهاتف لأقرأ ما يكتب لها. أو أشاركهما المتعة . كلّما ابتسم لذلك الهاتف إلا واشتعلت نار الفضول تحرقني وتؤجّج رغبتي في المشاركة.
تشتّت تركيزي وبدا لي القصيد الأخير بدون ايقاع . لا يلامس مشاعر المستمع ولا يرتقي إلى مستوى إثارة ما يحصل بجانبي. وبكلّ حسرة أخفى صديقي هاتفه بجيبه القريب منّي وقد علت وجهه ملامح الشّهوة . همس في أذني ” يجب أن أرحل قبل نهاية الأمسية، عندي موعد.” اكتفيت بنظرةٍ محتشمة فواصل قائلا ” زوجتي تحتاجني . الأولاد والواجب…” ابتسمت محاولة إقناعه أنّني لا أحاكمه وقلت: ” طبعا ” وكم تمنّيت أن أقول له ” هنيئا لك خذني معك “.
رحل صديقي. نظرت من حولي، بدا لي المكان أتعس ممّا كان عليه. حزينا كئيبا كروحي التي تتوق للّحاق به. تداول الشّعراء على المكروفون قرؤوا، صفقوا، تناقشوا لم أسمع شيئـا. رفضت حواسّي كلّ الكلام وصار الكرسي جمرا أكتوي به. ماذا أفعل هنا؟ إحساس بالملل والبلاهة اجتاحني كموجة عاتية أتت على أعماقي وأغرقتني في بحر الحزن.
صارت السّاعة أنيسي الوحيد. أتفحّص عقاربها كلّ ثانية، ثم بدأت أقلّبها لعلها تعطلت فتسمّرت مكانها. شدّني وجه السيّد جمال. دقّقت النّظر فيه. كم يبدو ضخم الوجه. غائر العينين . خشن الجلد. أسمر الوجه . أنفه الكبير بدا أكبر بكثير وفمه كمغارة من فيلم مخيف تبتلع الكلمات. هاهو يتحوّل إلى شيء ما. شيء غريب. شيء مخيف. قد يبتلع الجالسين.
نهضت فجأة من مكاني. أسرعت نحو الباب لا ألوي على شيء. أبحث عن الاكسيجين. أبحث عن السّعادة ولو وهما. في البهو اعترضتني السيّدة فتحية..

  • أهلا …ترحلين؟
  • أنا؟…لا طبعا…أجيب على الهاتف وأعود
  • الأمسية ناجحة بجميع المقاييس. السيد جمال متميّز
  • أكيد…متعة حقيقية…استمتعت كثيرا ولن أتخلّف عن أيّ موعد آخر هنا
  • جيد…لك مستقبل مشرق اذا…تأكدي
    ربّتت على كتفي ودخلت القاعة. أمّا أنا فاندفعت نحو الباب كالهارب خوفا من جرم ارتكبه. قطعت الطريق ووقفت من الناحية الأخرى تحت شجرة بلّوط كبيرة. وقفت وقد انعدم الإحساس وتجمّد فكري. أين انا وماذا أفعل؟ أتيت من آخر الدنيا وتركت العمل والأهل من أجل هذه الأمسية وهنا أنا أغادرها.
    ارتبكت وثارت ذكرياتي وبدأ جلاد الضّمير يهوي عليّ. الساعة تقارب الرّابعة بعد الظهر. جيد سأختلي بنفسي قليلا في الحديقة العمومية المجاورة. كتاب الأيام لطه حسين لا يفارقني. فرصة لأنهيه اليوم.
    دخلت الحديقة. هواؤها منعش. أشجارها كبيرة وارفة الظلال. على حافتي الممرّات زرعت ورود مختلفة الألوان والأشكال تتناغم في سمفونية واحدة
    أغلقت عينيّ واستسلمت للطبيعة تداعب مخيلتي رأيت صديقي على شاطئ البحر بملابس صيفية خفيفة قميص مزركش بألوان الورود والرّبيع. يداعب خصلات من شعر أسود حريريّ ثائر ينساب على كتفي أنثاه الجالسة بفستان أبيض شفاف طويل. فستانها يبرز شيئا من صدرها المكتنز وذراعين طويلتين ناعمتين تمدّهما نحوه لتلامس وجهه. لا أدري بأيّ منطق ولكنّني سمعت موسيقى الحبّ تراقص قلبيهما. ربما هو البحر والسّماء و كلّ الكون يبارك سعادتهما. في لحظة ما بدا لي صوت صديقي أكثر قربا وأكثر خشونة. امتزج الحلم بالواقع فتهت بينهما. فتحت عيني لأجده أمامي واقفا يلوّح بيديه و يصرخ عاليا وقد احمر وجهه وتطاير الشّرر من عيناه يتصبب عرقا بسبب ملابسه الصوفية الخشنة. احمرار وجهه وسواد ملابسه امتزجا بقفزه يمنة ويسرة وهو يصرخ ويملأ الفضاء بيديه القصيرتين فبدا لي كشمبنزي في قاعة سيرك. أمامه فتاة لا تتجاوز العشرين مكتنزة لا تدرك طولها من عرضها. من مكاني سمعته يهذي
  • أتمزحين مع أديب؟ مع مثقف؟ اسمك وردة وعمرك عشرون سنة؟؟ وأين الصورة؟؟ اين الفتاة التي في الصورة ؟
    أجابته بكلّ براءة: – لا أدري

تراجعت بكلّ هدوء قبل أن يلاحظوا وجودي. ابتعدت وتواريت بين الأشجار وقد امتزج مائي بناري ، ضحكي ببكائي وبحماقة أنوثتي الحالمة. لو أدرك صديقي أن ثالثتنا كانت الأكثر بؤسا فينا والأصدق إحساسا . لو أنّه أدرك أنّ هذه الصّغيرة لم تتمنّ سوى لحظات من السعادة الواهمة.
عدت أدراجي مبعثرة الأفكار. جلست بكلّ هدوء على نفس الكرسي ولم تمضِ إلاّ لحظات حتى استعاد صديقي مكانه بجانبي صارع ملامح الاستياء والغضب التي تربّعت على ملامح وجهه. وبابتسامة بلا روح قال لي :” أنقذ والدها الموقف”. أجبته : “جيد نستطيع الآن أن نستمتع بالأمسية”. حلّ بيننا الصمت ليرحل كل واحد فينا إلى عالمه الخاص يجترّ ما حصل وما كان يمكن أن يحصل لو أنه تواعد مع تلك الفاتنة في الصورة. تخيلت المتأصّل فينا السماء وهي تراقب دقات نبضنا ولهفة الطفل فينا. لا أدري إن كانت قد ابتسمت لبراءتنا أم قهقهت لهذا الحمق.

  • من مجموعة قصصها القصيرة “سيزيف الأخير”