117 Views
د. وجيه فانوس( رئيس المركز الثقافي الإسلامي )

ثمَّة عدَّة دوافع تساهم في تشيكل بعض أبرز الأمور التي تجذب الباحثين العرب وسواهم للخوض في موضوع اللُّغة العربيَّة؛ بيد أنَّ الغالب في هذه الدَّوافع يكمن في المحافظة على طبيعة اللُّغة وتطويرها، وفاقاً لما تمليه المعاصرة من أمور، التي لعلَّ من أهمها ضرورة تعزيز مجالات التَّواصل باللُّغة العربيَّة.

إنَّ العربيَّة ليست، عند العرب، بصورة عامَّة، مجرَّد وسيلة معرفة؛ إنَّها، أيضاً، هُويَّة قوميَّة. لكن ملاحظة الواقع، والمتابعة البحثيَّة لتاريخيَّة اللُّغة، تثبتان، خلافاً لما قد تذهب إليه كثرة من الهواجس السَّائدة، أن لا خوف على اللِّسان العربي من الانقراض؛ ولا خوف، تالياً، على العربيَّة من ضعف التَّواصل عبرها أو التَّعبير بها. تَظْهَرُ الأدلَّة على هذا في أنَّ العرب، ومعهم معتمدي العربيَّة في التَّعبير والتَّواصل، ما برحوا جميعاً، منذ آلاف السِّنين، وعبر اختلاف الأمكنة والأزمنة ومع تعدُد العصورِ والثَّقافات وتبياينها، يستخدمون اللِّسان العربي من غير ما عُجمة في ما بينهم.

لقد جرى اعتماد اللِّسان العربي، في مرحلة ما قبل الدَّعوة المحمَّديَّة إلى الإسلام؛ وكان اعتماده، كذلكَ، في مرحلة بدء نزول القرآن على النَّبيِّ العربيِّ والسَّعي، تالياً، إلى نشر الدَّعوة والانطلاق بها في أرجاء الدُّنيا. وكان لهذا اللِّسان العربيُّ، عينه، الأثر الإيجابيّ الفاعل في تحقيق الاختلاط الاجتماعيّ والثَّقافيّ والسّياسيّ عبر العصور الثَّقافيَّة المتتالية كما المُتغايرة، رغم انهيار سلطة الخلافة وتوزُّع البلاد بين ملوك وسلاطين وأمراء. وظلَّ هذا اللِّسان العربي، إيَّاه، ناشطاً وفاعلاً ورائداً، خارجَ الجغرافيا العربيَّة التَّقليديَّة، كما في بلاد الأندلس وفارس والتُّرك وسواها، مساهماً بقوَّة في النُّهوض المعرفيِّ والأدبيِّ والتفاعل الثَّقافي مع ناس جغرافيَّاتٍ من غير الجغرافية العربيَّة التَّقليديَّة. وصمد هذا اللِّسان العربيّ، في جولات الصِّراع مع الحملات الصَّليبيَّة التي قام بها أوروبيون على المشرق العربي، من أواخر القرن الحادي عشر وحتى الثلث الأخير من القرن الثَّالث عشر؛ وصولاً إلى محطَّات التَّراجع السِّياسيّ والمعرفيّ والثَّقافيِّ العربيِّ، انطلاقاً من الحملة الفرنسيَّة على مصر وبلاد الشَّام من المنطقة العربيَّة (1798-1801م)، بقيادة نابليون بونابرت؛ مروراً بمراحل الدُّخول الغربيِّ والغزو الغربيِّ المنظَّم سياسيّا واقتصاديّا وثقافيَّا واجتماعيَّا لهذه المنطقة في القرنين التاسع عشر والعشرين، وما وصل إليهِ الأمر، عبر العولمة السياسيَّة والمعرفيَّة، في المرحلة الزمنيَّة والثقافية الراهنة.

لقد وضع العربُ، طيلة عهود تاريخهم المعروف، الأدب بالعربيَّة ودوِّنوا مصنَّفاتهم بالعربيَّة كما وثَّقوا أعمالهم ووقائع عيشهم بالعربيَّة؛ ومن جهة أخرى، فقد أعتُمدت العربيَّة، منذ النِّصف الثاني من القرن العشرين، لغة رسميَّة على منابر الأمم المتّحدة وفي ملفّاتها الإداريَّة؛ كما وُضِعَت، عبر الحقب التَّاريخيَّة القديمة منها كما المعاصرة، مؤلَّفات عديدة ومتنوّعة بالعربيَّة وترجم كثير من المعارف والعلوم إلى العربيّة من لغات كثيرة أخرى. ولقد شهدت العربيَّة، في كلِّ هذا وبه، تنوُّعاً في لهجاتها وتعدُّداً في تعابيرها، كما عرفت تجديداً في كثير من مصطلحاتها وحتَّى مفاهيمها، ومع كلِّ هذا، ظلَّ هذا اللّسان العربيُّ صامداً، بل نابضاً بحبويَّة العيش والثَّبات والمعاصرة. ومن هنا من الممكن، إن لم يكن من الحتميَّة العلميَّة الموضوعيَّة، التَّفريق بين ما هو «لسان عربي» وما هو «لغة عربيَّة»!

إن لفظة «اللُّغة» تأتي من جذر (ل غ و) وهذ يفيد الكلام المتغيِّر والمتبدِّل؛ وهو أمر من طبيعة اللُّغة، بأن تكون مواكبة للعصر، متفاعلة معه ومستجيبة لمتطلّباته. أمَّا «اللِّسان»، فيفيد، من هذا المنظور، النِّظام المبدئيّ أو المنهجيّ الذي تتظهَّر به «اللُّغة». فاللّسان، تالياً، هو الوجود الثَّابت، والذي لا بدَّ من ثباته ليضمن بهذا الثَّبات، كما بارتباط اللُّغة به، حريَّة تغيُّر اللُّغة، أي حريَّة استمرار حيويَّتها وحقيقة جوهر فاعليَّة وجودها. ولعلَّ مما يؤكِّد هذا الأمر أنَّه لا ذكر لفظ «لغة» في النَّص القرآني؛ بل إنَّ النَّص القرآنيّ يذكر «اللِّسان»؛ وشتَّان بين ما هو «لسان» وما هو «لغة». ويشير النَّص القرآنيّ، في مواقع عديدة منه، إلى أنَّ القرآن أنزل بلسان عربي ثابت. والمعروف أنَّ ثمَّة لغات عربيَّة ضمن اللِّسان العربي، تُنسبُ إلى قبائلَ عربيَّة تختلف في مواقعه سكناها الجغرافيَّة وربما في تكتُّل تجمّعاتها الإنسانيَّة؛ منها، منها، على سبيل المثال وليس الحصر، لغات «حِمْيَر» و«مُضَر» و«طَيْء» و«قُضاعة». أمَّا النَّص القرآني فقد اعتمد فيه، ضمن اللِّسان العربي، لغة قريش.

لقد واجهت لغة قريش، عبر وجودها أساساً تعبيريَّاً في النَّصِّ القرآني، أمرين متناقضين في جوهر وجودهما. يتمثَّل الأوّل من هذين الأمرين في أنّها بكونها لغة النَّص القرآني، صارت، وهي «لغة»، بمثابة «اللِّسان»؛ وهي، بحكم طبيعة وجودها ووظيفتها، ليست بلسان. ويتمثَّل ثانيهما في أنها بكونها لغة النَّاس اليوميَّة، جرى عليها ما يجري على كل لغة من ضرورات التّغيّر والتّنوّع والتّأقلم، بحكم ضرورة أن تكون اللُّغة مماشية لزمانها ومتطلبات عصرها.

إنَّ فاعليَّة وجود لغة قريش «لساناً» و«لغة»، في آن معاً، أدَّى إلى بروز مشكلة! وهذا حقيقيّ ومنطقيّ وموضوعيّ، بل من الأمور التي يؤيّدها البحث العلمي. وإنَّ جميع المحاولات النّظريّة والتّطبيقيّة في مجال التّعامل اللّغوي، النَّظري منه كما العملي، لم تُجْدِ نفعاً في رأب الصَدع بين ما صار بمثابة اللِّسان في لغة قريش وما هو تطوُّر لغويّ مشروع وواجب في لغة قريش، وبات يعرف بأنَّه من لهجاتها أو عاميَّاتها؛ مثل لهجة أهل بلاد الشّام ولهجة أهل بلاد ما بين النّهرين ولهجة أهل بلاد النّيل ولهجة أهل بلاد المغرب. لقد بات ضمن كلّ لغة «لهجة محكيَّة» خاصة بكل منطقة أو حتَّى مرحلة أو حقبة زمنيَّة؛ وصار الأمر، في واقعه، مشكلة لا حل عمليَّاً لها.

أفرز هذا الواقع عدَّة أمور، لعل من أبرزها الخوف على لغة القرآن من الهجر أو الضياع أو حتَّى الغربة، إن لم يكن الزَّوال؛ فضلاً عن الخوف على معتمدي لغة قريش لساناً عربيَّاً، من طغيان تعدّد ما نتج عن هذا اللِّسان-اللُّغة من لهجات باتت تُعامَلُ، في بعض الأدبيَّات، على أنّها، تجاوزاً أو واقعاً، لغات؛ مثل «اللُّغة المصريَّة» و«اللُّغة الجزائرية» و«اللُّغة اللبنانيَّة» وسوى ذلك.

إنَّ التّخوّف من هذا الطّغيان اللّغويّ على واقع الأمَّة العربيَّة ومجالات عيشها، صار من الهواجس الملازمة لكل درسِ أكَاديمي ولكل عيش عملي في مجال العربيَّة. وهذا، في واقع الحال، يقود إلى مشكلة لا إمكان لأيّ حلٍّ استراتيجيّ منطقيٍّ عمليٍّ لها. إنَّها، وبصورة عمليَّة، لا يمكن أن تبقى مشكلة؛ إذ ستُدخل من يتعامل معها، ضمن هذا مفهوم «المشكلة»، عوالم من السّفسطة والابتعاد عن الواقعيَّة العمليَّة والجدل وربما العبث؛ وكل هذه أمور لا طائل منها سوى الانقسام غير المجدي والشّقاق غير المفيد، ناهيك بالتَّخوين المتبادل وهدر الوقت.

من هنا تبرز ضرورة تحويل الموضوع من «مشكلة» تستوجب حلاَّ، إلى «قضيَّة» تستوجب تبنٍ لها وإيمان بها. من الضَّروري، تالياً، بقاء النَّص القرآني بالحال النّصيَّة التي ثبِّت بها نزوله، استمراراً للدّين بين النّاس؛ ومن الضَّروري، كذلك، تطوّر لغة قريش، استمراراً لحياة النّاس الذين يستخدمونها في عيشهم وتواصلهم وتحقيق تطوّرهم. والسّؤال المُلِحّ يكون، ههنا، في كيف يمكن لناس العربيَّة الاستمرار في التَّواصل عبر هذه اللُّغة، التي لا بدَّ من الاعتراف بحركيَّتها، والتي صارت، في الوقت عينه، لساناً، من الضَّروري الاعتراف بثباته، وهو لا يمتلك مقومات اللِّسان؟

د. وجيه فانوس

رئيس المركز الثقافي الإسلامي

*نقلا عن صحيفة اللواء اللبنانية