20 Views
الشاعر شوقي بزيع

لولم يكن في البدء إلا عشبةٌ مجهولة الأبوين
تسبح في مياهٍ ضحلةٍ
لحسبتها أمي
لو لم يكن في البدء غير أرومةٍ محروقةٍ
فوق الهشيم ،
لقاسمتْ رئتيّ حصتها من النيران ،
ذلك أنني منذ البداية لم أصخْ يوماً
لغير تنفًس الأوراق في صدري
وما أبدتْه لي عيناي من صوَرٍ وأشكالٍ
تعهٌد ضوؤها بتقطٌعٍ أضغاثَ
ما خلٌفته خلفي من الأشجار ،
كلٌ رؤاي أَكمَلَها تطايُر شعر سنبلةٍ
على أفق الحنين ،
وكلٌ ما أشعلتُهُ في موقد الرغبات من حطبٍ
تدينُ لذلك الماضي شرارتُهُ ،
وحين نأيتُ فيما بعد
وامتصٌت ظلالي غابة الترحال
لم يسهر على منفايَ إلا شوك صبٌارٍ
تطوٌع للإحاطة باستغاثاتي المريرةِ
كلما أوغلتُ في ظمأي ،
وظلت زهرة الرمان ترمقني بحمرتها
الى أن غبتُ عن مرمى الطفولةِ ،
وحدها الأشجار أولتْني عنايتها
وراح حفيفها اليوميٌ يمخر ذكرياتي
مثل رتْلٍ من قبورٍ لا تكاد تُرى شواهدُها بأمٌ العين
يجدر بي إذن
وأنا ربيب جذوعها التعبى وتوأمها البعيدُ
بأن أقول لها :
سلامأً من صميم القلب
أيتها الجذور المطمئنةُ في صوامعها،
سلاماً أيها الطفل المطلٌ من البعيدِ
على أديم ترابه المهجورِ
مثل مجرٌةٍ من أوجهٍ مبقورة الأحشاءْ
سلاماً أيها الشجر الذي سأصبٌ ذات عشيةٍ خضراءَ
كالينبوع في أحضان تربته البتول ،
وأنت أيتها الحقول البور ،
أيتها البلاد المستعادة من رماد حرائق الماضي
كأنصبةٍ بلا موتى
سأبقى حارساً كالظلٌ مرتفعاتك المضمومة الأهداب
حول الشمس ،
أو متوسٌداً كظهيرةٍ كبد الحصى ،
أوغافياً مثل الطحالب تحت ليل مياهك العمياءْ

                                      من قصيدة " صراخ الأشجار "