25 Views
الكاتب الصحفي توفيق شومان

المتظاهرون المندسون …
بقلم : توفيق شومان
منذ عقد على الأقل ، واللبنانيون يصرخون ويتظاهرون ويتوسلون إصلاحا وحتى نصف إصلاح أو ربعه أو فتافيت منه .
لا الأحزاب كان لها عيون ترى ولا السياسيون كان لهم آذان تسمع.
كأن أهل السلطة والحكم في لبنان من مخلوقات غريبة وعجيبة لا عيون لهم ولا آذان .
لأهل السلطة في لبنان لسان يسب ، ولسان يشتم ، و لسان يتهم ، ولسان يصف كل من يتظاهر جوعا بأنه مندس ومتآمر .
ولأهل السياسة لسان على شاشات التلفزة ولسان في مجلس الوزراء
لسان الشاشات يرفض الضرائب ولسان مجلس الوزراء يقرالضرائب
الشاعر معروف الرصافي كان نظم شعرا في ازدواج الخطاب السياسي و” شيزوفرانيا ” الأحزاب فقال :
لايخدعنك هتاف القوم في الوطن/ فالقول في السر غير القول في العلن.
بعد معروف الرصافي جاء أحمد مطر ليقول :
اثنان في أوطاننا يرتعدان من يقظة النائم
اللص … والحاكم
احمد مطر جمع بين اللص والحاكم رمزا وتلميحا ، ولكن نزار قباني جمع بين الحاكم والجلاد مضمونا و تصريحا فقال :
أيها الناس:
لقد أصبحت سلطانا عليكم
فاكسروا أصنامكم بعد ضلال واعبدوني
اتركوا أطفالكم من غير خبز
واتركوا نسوانكم من غير بعل واتبعوني
أيها الناس:
أنا مخترع المشنقة الأولى
كلما فكرت أن أعتزل السلطة ينهاني ضميري
من ترى يحكم بعدي؟
من ترى يرسل للناس الفقر ؟
من ترى يجلدهم تسعين جلدة؟
من ترى يصلبهم فوق الشجر؟
من ترى يرغمهم أن يعيشوا كالبقر؟
هنا بيت القصيد ” العيش كالبقر ” ، ومن ” بيت البقر ” يخرج سؤال ذليل : ألا يحتقرالسياسيون اللبنانيون شعبهم كما يحتقر البشر البقر؟ .
دفاتر الذاكرة القريبة تفتح صفحاتها وفي سطورها التالي :
اختلفت الأحزاب اللبنانية على محاصصة الشركات المولجة بتوضيب النفايات وإزالتها من المدن والقرى والأحياء والشوارع ، فكانت نتيجة الخلافات إغراق الشعب بالنفايات !!.
أي احتقار أكثر من هكذا احتقار
قد يوجد مثله … أما أكثر منه فلا هو موجود ولا هو في الوجود
مثله على سبيل التشبيه والقياس : تلويث المياه
أهل السياسة في لبنان لا يشربون من ” مياه الشعب ” ، فلأهل السياسة ماؤهم وللشعب ماؤه ، ماء السياسيين معدني ومعقم ، و ” ماء الشعب ” ملوث ومسرطن ، ولو عثر أحدهم على وزير واحد أو نائب واحد يشرب من ” ماء الشعب ” فليرجمني بحجر.
ماء الشعب وماء أهل السياسة ذاك وجه آخر للإحتقار
كما هو وجه احتقار الشعب بإغراقه بالنفايات
هل ثمة وجوه أخرى للإحتقار ؟
الطبقة السياسية اللبنانية مبدعة في ابتكار وجوه الإحتقار وفنونه وأساليبه ووسائله وسبله ، منها هذا الوجه الثالث :
نسبة كبيرة من تمويل الطبقة السياسية تقوم على العلاقة مع ” التجار الأصدقاء ” ، و ” هؤلاء الأصدقاء ” يستوردون الخبيث من اللحوم وأفسدها ، يربحون مدرارا ويعطون لأهل السلطة قنطارا ، وإذا جرى توقيف أحدهم تتوقف عجلات الدولة ، من أول عجلة إلى آخرعجلة ، ذلك أن أهل السلطة يدركون أن توقيف ” تاجرهم ” يعني توقف دورة تمويلهم ، ودورة تمويلهم هي التي تجلب الجند والأنصار وفق منطق ابن خلدون القائل : ” الحكم بالجند والجند بالمال ” ، وعلى الأغلب أن الطبقة السياسية اللبنانية تحفظ عن ظهر قلب وعن ظهرغيب دلالات ومعاني قصيدة الشاعر العباسي ” أبو العيناء ” ، وفيها يربط حركة المال بحركة الحياة ويقول :
إن الدراهم في المواطن كلها / تكسوالرجال مهابة وجلالا
فهي اللسان لمن أراد فصاحة / وهي السلاح لمن أراد قتالا
هي حركة اهل السياسة وحركة حياتهم وحركة تمويلهم حتى لو جاءت عن طريق الفساد و اللحوم الفاسدة والغذاء الفاسد والهواء الفاسد .
هل يعقل أن النفايات تتكوم وتتتلل وتتهضب ولا تفعل الأحزاب فعلا؟
هل يعقل أن جريان المياه الملوثة بات فوق الأرض وتحت الأرض وفي الأمعاء والأكباد وفي دماء أغلب من يسكن هذه البلاد ولا يخرج من الأحزاب لا بشير ولا نذير ؟
هل يعقل أن اللحوم الفاسدة باتت طبق اليوم ومن ينجو من هلاكها في أول يوم يقع في تهلكتها في اليوم التالي ولا يتحزب حزب لدرء المفاسد ؟
رب قائل يقول وسائل يسأل : ما ذنب الأحزاب وما دخلها؟
رب مجيب يجيب إجابة سهم ورمح فيقول :
هل يعقل أن الأحزاب لا تعرف بكل هذا الفساد؟
هل يعقل ألا عيون ولا آذان للأحزاب كما سبق القول وتقدم وسلف؟
ما دورها إذا لم تسمع ؟
ما دورها إذا لم تر ؟
ما دورها إذا لم تفعل ولا تترك غيرها يفعل ؟
منذ سنوات يتحدث السياسيون اللبنانيون عن الإصلاح وإنقاذ الإقتصاد الوطني ، وكلما ارتفعت وتيرة حديثهم عن الإصلاح ارتفعت وتيرة الفقر بين اللبنانيين ، وكلما تحدث السياسيون عن مكافحة الفساد توسع الفساد وعم وشاع .
لم يبق شيء
حتى الدولة بدت ” عاطلة ” عن مكافحة حرائق البيئة
فمن أين للدولة ” العاطلة ” ان تكافح حرائق الفساد؟
لا يبدو ذلك ولا يظهر ولن يظهر
كل ما لدى السياسيين في لبنان ضرائب ورسوم
يتعاطون مع موازنة الدولة مثل حسابات الحانوت الصغير ، وكم يدخل إلى صندوقه من ليرات ودولارات وكم يخرج من الحانوت سلع وبضائع ومبيعات.
حسابات حانوت صغير أصابه عجز في البيع فرفع الأسعار وفقد الزبائن
الأسعار هي الضرائب والزبائن هم الشعب ، والشعب ما عاد يملك قرشا ولا مليما ولا فلس الأرملة .
ومع أن سد العجز طريقه معروف وسبيله مكشوف ، يبدأ من إصلاح قطاع الكهرباء وكلفة خسائره السنوية 2 مليار دولار ، ويبدأ ايضا من التهرب الضريبي وأعباء خسارته 4 مليار دولارفي السنة الواحدة ، فإن “حضرات الأحزاب ” لم تقترب من قطاع الكهرباء ولا من مفاصل التهرب الضريبي ، والسبب العجب ؟ أنها تتمول من مشتريات المشتقات النفطية والتهريبات الضريبية .
لم يمد السياسيون أياديهم إلى جيوبهم ، ولا إلى قطاع الكهرباء ولا إلى مغاور وكهوف التهرب الضريبي ، ولا إلى الأملاك البحرية ، ولا إلى المباني الجكومية المستأجرة
مدوا أياديهم إلى جيوب الناس
يرفعون الضرائب ويزيدون الرسوم
يهددون الناس بطردهم من القطاع العام
ويدمرون في الوقت نفسه القطاع الخاص
ماذا يبقى للناس ؟
يبقى للناس الجوع والبطالة والفقر والنواح الذي هو التظاهر
وحين يتظاهر الناس يتهمونهم بالمندسين ، وإذا كرروا يتهمونهم بالمتآمرين وإذا أعادوا يتهمونهم بالخائنين الملاعين.
كأنهم يقولون للناس : إبقوا جائعين وأبقونا فاسدين
في تظاهرات بيروت كان شاب متظاهر يردد:
نموت كي يحيا الوطن
سأله كهل بصوت متهدج : إذا متنا … يحيا الوطن … لمن؟
إلى جانب الكهل كان أحدهم يردد قصيدة لنزار قباني مع بعض من التحوير يقول فيها :
نموت مصادفة ككلاب الطريق
ونجهل أسماء من يصنعون القرار
نموت
ولسنا نناقش كيف نموت
وأين نموت ؟
فيوما نموت بسيف اليمين
ويوما نجوع بسيف اليسار .
رحم الله نزار قباني
لو أنه حي : ما الذي كان سيقوله عن المندسين ؟
………………………………………………………………………