50 Views
الأديب و الناقد د. باسل الزين


نعني بتأصيل النّوع استخراجَ جملةِ سماتٍ من مجموعة لا يُستهان بها من النصوص الأدبيّة، والانكباب على فهم مواطن الجدّة وموقع الطرافة في بنيانها وأحكامها وغاياتها ومراميها وطروحاتها وأبعادها. والأدب الوجيز، في خلدنا، بات يُمثّل نوعاً أدبياً جديداً له مندرجاته الفكريّة وأسسه النظريّة. وعليه، سأحاول في هذه المداخلة أن أطرح بعض السمات التي تميّز شعر الومضة وتكرّسه نوعاً شعرياً جديداً، على أن يجري عرض السمات الخاصّة بالقصة القصيرة جدّاً في الجلسة الحواريّة المقبلة.

في هذا السّياق، سأتناول بالطّرح ثلاث نقاط أجدها جوهريّة، لكي لا أقول نهائيّة، تحدّد مناط فهم التأصيل المنشود، وأعني تحديداً: التخلّص من الحشو والتّركيز على الإيجاز والتّكثيف، التأكيد على ضرورة تلازم الشروط الشكلية مع الأبعاد المضمونيّة الجديدة، وإيضاح المقصود بتساوق العقل والانفعال في شعر الومضة.

1 التخلّص من الحشو والتركيز على الإيجاز والتكثيف:

يحضرني في هذا السياق العمل الجليل الذي قام به موريس بلانشو في كتابه Thomas l obscur، حيث عمد إلى إصدار طبعة ثانية من مؤلّفه هذا، مشذّباً ما يُمكن تشذيبه ومختصراً ما يُمكن اختصاره طارقاً باب الإيجاز والحذف. من هذا المنطلق، نجد أنّ التخلّص من الحشو والدخول في تجربة الإيجاز والتكثيف عمل لا يروم التكثيف هدفاً شكلياً بقدر ما يحيل على الإمكانات والفضاءات التي يتيحها الإيجاز ويقتلها الإطناب. بعبارة أوضح، نرى أنّ التكثيف هو عمل لغويّ قبل أي شيء آخر. بعبارة أخرى، إن التمسنا التفرقة الشهيرة التي أجراها بلانشو بين لغة عادية ولغة شعريّة، لوجدنا أنّ اللغة العادية هي لغة التسمية Nomination ومن شأن هذه التسمية أن تأتيَ على البعد التوليديّ للغة وذلك بالقدر نفسه الذي تأتي فيه على سبل الاستشراف من خلال الإفساح في المجال أمام لغة التحليل والاستنتاج والتفنيد، هذه اللغة التي تغالي في وصف مندرجات الشعور وإمكانات التلقي الحدسي لقطوف العالم الخارجي، إنها اللغة التي تسلب الدهشة الأولى دهشتها ومفارقتها وتنزلها من علياء الاستشراف الرؤيوي وتزّج بها في أتون اللغة التعليلية الإفهامية. شعر الومضة يحتاج لغة تجاوزية مفارقة، لغة تستنطق الصمت في حدود الصمت، تعيد تكوين المشهد الكونيّ والانفعاليّ الذاتيّ في حدود الدهشة والترقب فلا تدّعي الفهم العقلي العنيد ولا تتورط في الاستخدام العادي للغة فهماً وإيضاحاً وترميزاً، ذلك أنّ الرمز يضيع وتضيع معه دلالاته إذا تخبَّط في دياجير الاستنباط والتعليل والحشو المراوغ. من هذا المنطلق، اتفقنا على تحديد عدد كلمات الومضة بين ثلاث كلمات وإحدى وعشرين كلمة في إشارة إلى عملية الاكتمال التكويني للعقل البشري، حيث يغدو من المحال بعد هذا الحد تلقّف التجربة في حضورها الاندهاشي الأصيل والانهمامي الشعوريّ البعيد. وفي هذا السياق، قد يعترض معترض قائلاً: ألا يُمثّل شعر الومضة ثورة على الأشكال والقيود لا سيما الخليليّة منها؟ لكني سرعان ما أجيب مشدداً على ضرورة تمييز القيود من شرط الكتابة الأصعب. القيود توجيه قبليّ يحدّ التجربة ويؤطرها في أطر شكلانية وقوالب إيقاعية جاهزة، أما شعر الومضة فهو توجّه كوني يروم بعث لغة جديدة في حدود طاقات المفردة التوليديّة اللامتناهية، وما عدد الكلمات المفترض إلا استجابة للتبديّ الكوني والظهورات المستشرفة في حدود ما تحتاجه التجربة للتعبير عنها، وذلكم بالتحديد المقصود بشرط الكتابة الأصعب.

2 تلازم الشكل والمضمون:

ينبغي ألا يفهم شعر الومضة على أنّه طرح شكلي وحسب، ذلك أنّ أي تجربة كتابية جديدة تفترض تلازم المسارين الشكلي والمضموني. وبتعبير أوضح، الإيجاز أو التكثيف هو ابتكار لغة ثانية جديدة بالتمام، لغة شعرية تجد مردّها في الأبعاد المضمونية الطريفة والمبتكرة. بهذا المعنى، نجرؤ على القول: إنّ التجارب الاستنطاقية الوجودية البعيدة والإنسيّة القصيّة والنفسيّة العصيّة تحتاج لغة جديدة تتماهى مع غموضها الجليّ واستتارها المتجلّي، لغة تعيد بدء البدء كما عبّر بلانشو، لغة تبحث خلف ركام الموروث وطبقات القول وأقنعة التعبير السابق عن لحظة البدء عارية في دهشتها الأولى، نقيّة في تجلّيها الأبهى. إنّ ابتكار لغة جديدة من شأنه أن يسائل تلك الأصول بسبل مغايرة وأنماط تعبير مختلفة. من هنا يمكن أن نفهم ضرورة التساوق بين الشكل والمضمون في شعر الومضة.

3 تلازم العقل والانفعال في شعر الومضة:

بدهيّ القول إنّ شعر الومضة ليس عملاً فلسفياً، لكن هذا لا يعني أنّ هذا النوع من الشعر لا يروم البحث عن الأبعاد الوجوديّة النقيّة. بعبارة أوضح، يقف منظّرو شعر الومضة ضدّ الخلل المنطقي في بناء النص الشعري أي ضد الرصف اللفظي غير المقرون بتجانس دلاليّ يحكم مفرداته وتجربته، مع العلم أنّ التفلّت الدلالي الذي نرومه هو تفلّت ناجم عن تفتيت البنى اللغوية واستنطاق أبعاد مضمونية مغايرة لمعانيها المعجميّة والشعريّة المترجمة على امتداد تجارب مديدة. بيد أنّ عملية التفتيق هذه تفترض نصاً محكماً ذا بنيان متراص ورؤى متجانسة وأبعاد متآزرة. وبتعبير أوضح، ينبغي لشعر الومضة أن يعبّر عما لا يمكن التعبير عنه، أو ما لا يمكن تسميته بلغة بلانشو. يقول هيدغر: «باب الوجود لا يلجه إلا الشعراء»، وهو محقّ، ذلك أنّ اللحظة التي يقف فيها الفيلسوف والعالم عاجزين عن الإتيان بلغة منطقية أو علمية تفسّر الظواهر وتكشف الأبعاد القصيّة، يبدأ دور الشعر. للشعر قدرة على استنطاق فم المجهول والمحتجِب وتأويله لغوياً وشعرياً. وفي هذا السياق، نجد أنّ مفهوم اللاحتميّة الذي تكرّس واقعاً في العلوم ظلّ سراً مغلقاً. قل كذلك عن اللاحتميّات النفسية، وما على الشعر سوى استشراف بعض ملامح هذا المحتجب والإتيان بتأويل أولي لمنطوقاته يليه تآويل لا متناهية يضطلع بها القارئ في عملية إشراك متبادل ذلك أنّ موت المؤلّف بالمفهوم البارتي لا يُمكن أن تقوم له قائمة خارج السياق التبادلي التحاوري بين منتج النص وقارئه.

خلاصة القول، نحن هنا أمام تسويغ تأسيسي لجملة سمات يمتاز بها شعر الومضة، ويقيننا أنّ النقاش الذي سيلي هذه المداخلة من شأنه أن يصوّب الخلل ويعيد توجيه بعض الالتباسات ويدفع سبل التنظير قدماً.
د.باسل بديع الزين
عضو ملتقى الأدب الوجيز