39 Views

بيت طفولتي

للشاعر الفرنسي: إيف بونفوا Yves Bonnefoy
ترجمة عن الفرنسية: ميشرافي عبد الودود

يعد الشاعر الفرنسي إيف بونفوا (1923-2016) أحد مؤلفي الأعمال الشعرية والفكرية الأكثر إلحاحية وضرورة في زمننا الحاضر. قيل إنه كان شاعر الوجود؛ بمعنى العلاقة التي توحد القول مع العالم المحسوس في فوريته وامتلائه. في الواقع، فإن الشعر لدى إيف بونفوا لا ينفصل عن الوعي المتفاقم بالفصل الثلاثي: بين الوجود والعالم، بين الوجود والآخر، بين الكائن ونفسه. لكن إيف بونفوا الذي يضطلع بالإرث “الرامبوي” في “تغيير الحياة” لا يتوقف فقط عند حدود شعرية هذا الانفصال. بينما يواصل تحمل هذه المسؤولية، يحاول تجاوزها من خلال إعادة الانخراط والخرق الإيجابي اللذين يطبعان عمله. فبقدر ما تكون درجة الانفصال هي الأعمق في بداية المسار الشعري، بقدر ما يتزايد المسعى العاطفي للترميم في أعمال مرحلة النضوج.
هكذا تضطلع أعمال إيف بونفوا بتسمية الانفصال الذي من واجب الشعر في زمن أزمة المعنى إقراره بلا هوادة، ومهمة الترميم التي تعتبر أعظم منجزاته. يقنعنا بونفوا أنه في الوقت الذي لم يعد بإمكان الشعر الاحتفاء بامتلاء العالم، فإنه يتيح لنا النظر فيه مرة أخرى والإبقاء في آن معا على كل من الرغبة والأمل والفكر.


(بيت طفولتي)
أتذكَّر، كان الصباح، صيفا،
اقتربت من النافذة التي كانت مفتوحة قليلا
رأيت أبي في نهاية الحديقة.
متسمرا في مكانه، أين كان يتطلع،
بماذا، لم أكن أعرف، في كل الخارج
منحنيا كما كان فعلا فيما نظرته
مسلّطة باتجاه اللامكتمل والمستحيل.
لقد أراح الفأس والمجرفة،
كان الهواء منعشا في صباح ذلك العالم،
لكن يستحيل اختراق طراوة الهواء ذاتها، وآه ما أقسى
ذكرى صباحات الطفولة.
من كنتُ؟ ماذا كنتُ في الضوء؟
لم أكن أعرف، ولا أعرف حتى الآن.

لكنني أراه أيضا، في الشارع
يسير على مهل، ملء التعب
يبطئ حركاته التي كان يأتيها بالأمس،
كان في طريقه للعمل، فيما كنت
أتسكع مع رفاق الفصل الدراسي،
في بداية ظهيرة بلا ديمومة قبل الآن،
لهذا المجاز المرئي عن بُعدٍ
مهداة كلماتي التي خانها التعبير.

(في غرفة الطعام
ظهيرة الأحد، صيفا،
مصاريع النوافذ مغلقة جراء الحر
بعد تنظيف المائدة، اقترح والدي
لعب الورق طالما لا توجد صور أخرى
في بيت مولدي لتلبية
دعوة الحلم، وحالما هبّ بالخروج
على الفور أخذ الولد المتخبط أوراق اللعب،
لتبديلها بأوراق أخرى،
الأوراقِ الرابحة بأكملها، ثم ترقبّ
محموما، استئناف اللعب، حتى يربح الذي كان خاسرا،
وبفخر رأى فيه علامة، احتار الولد
في تأويل أي أمل يبعثه
عندئذ، سيفترق المساران، ليتعاقبا
على الخسارة، بالتتالي، بانتظار
النسيان، النسيان المتعطّش.

لعلي شطبت
مائة مرة هاته الكلمات في كل مكان، نثرا، وشعرا،
لكنني لا أستطيع
الحيلولة دون تسللها إلى لغتي)

  • ترجمة عن الفرنسية: ميشرافي عبد الودود
    ضفة ثالثة 29 سبتمبر 2019