header-image
[responsivevoice_button voice="Arabic Male" buttontext="الاستماع إلى الخبر"]

تقديم للمجموعة الشعرية الثانية  “أنفاس الرماد” للشاعرة الجزائرية رانية شعراوي .

عباءةُ شِعْرِها نَضِرةُ الألوان، مُشَرَّعةٌ على الرؤيا، تَخْطِفُكَ الدمعةُ إلى خِيَمِ الدّفء في الأمل العاثِرِ والهازِئ من أنين الجِراح، كأن قصيدتها قنديلٌ قَلِقٌ يستكشِفُ المَخْبوءَ ويُفتّقُ عُروةَ الرؤيا ليُعيدَ ترتيب حنين أفكارنا إلى الضّوء. رانية شعراوي ،شاعرة مَسّها جِنُّ الإبداع، تُمسِكُ باللحظة الشعرية حتى النفس الأخير. قصيدتها تكثيفٌ جماليٌ وفَيْضٌ من الصور المتناسلة من بعضها، والمتدرجة في مشهد يحبسُ الأنفاس َ لِيُحَوّلهُ مواعيد خَصْبٍ في مواسم الجفاف، وكؤوسَ إشعاعٍ تأخُذُنا إلى عالم الجمال والحضور الممتد إلى شساعة الوعي. لغتها مُكتَنِزَةٌ،راعفة،عابقةٌ بالجمال، مُخَرَّمَةٌ بالإنزياحات الآسرة الممهورة بحُزنٍ أبيض خفيٍ. وأسلوبها مُتْقَنٌ واعٍ يتحدّى الواقع إلى عالم أكثر جُرأةً وانبهاراً. نصُّها مُتَوَرّطٌ بالرؤيا وأصابِعُهُ على كَمانِ الوَجَع، إنـّه دُوارٌ يتصاعد حتى الرمق الأخير. فقصيدتها لا تنام إلا على سرير الجنون ولا تتفتّحُ إلا في الهذيان حين تَفتحُ نوافذَها للريح والمطر وتسيرُ في شوارع الدهشة الموغِلَةِ بزنبق الكلام.تقول في قصيدة “ويحك يا وشاح الحرير” : أغار من لَمْسِك/على النهد/الضرير. ثم تقول: كيف ابتليتني بحزن/أرتشفه/حصاراً/يلفني كعاصفة تُطِلّ/على خَدّ /الشروق.
إنها لعبة التضاد والقفز على حواجز المعنى، وأراني ضريراً أمام نهد العتمة حيث لا فِطام لأحرف البوح من همهمات الجراح. الإيقاع خافِتٌ خَدّره الحُزن وتشظِّي حقله المعجمي في جسد القصيدة ( الضرير، ابتليتني، جُرْحَيْن، أعاد البرد لبابي…) وفي قصيدتها “معقدة أنا”: خبأتُ تفاصيل/سذاجتي/بين ضحك لئيم التمني /وريح أبله يغازل / الشمس عني.
ألمعنى يتسلق قامة الجمل الملبدةِ سماؤها بالضوء، والقراءةُ في قصيدتها رَحيلٌ لا يعرف التعب َ. قصيدتُها ذكيةٌ،دمها حارٌ، تغتذي من المجاز لتكتسب جاذبيتَها، تَرْتِقُ بالسرد والوصف ما تمزَّقَ من جيوب الزمن العاثِرِ والروح المثقوبةِ القَعْر.وفي قصائدها الوطنية تبدو الشاعرة كَرَقاص ساعة في ليلٍ أخرس، تتدفق حنيناً وثورةً، عامرةً بفرحها به كَما تقول: أتعطّرُ بالسم، أتوضّأ/بالماء الحارق/عيوني حدودها حارِسٌ/لا يُفارِقُ/هذا وطني، وطنك/دمي، دمُكَ. وكأن قصيدتها تولد على صفيحٍ ساخِنٍ. فالشاعرة لا تبحث عن وطن كأي وطن، بل عن ارتباطٍ انساني إجتماعي بمكانٍ محكوم بالصدق والأخلاق والوعي.لعلها تجربة لصيقةٌبذاتها، وبها تَكشِفُ شِعريةَ النص من خلال قلق الذات وهواجسها وأزماتها وارتباطها العميق بالتاريخ والجغرافيا. رانية شعراوي شاعرةٌ تسير ُعلى شفير الهاوية، وطنُها القصيدة ُومحبرتُها إحتراقُها وانتشاؤها، وريشتُها الهَمْسُ على ضفاف السكون. فكل الأشياء تُصبحُ جمراً في مواقد شِعْرِها حتى الرماد. صوتُها مكرورٌ من الصدى وَكِرباجُ الريح يُذٍلُّهُ أحياناً لكنّ الفِجاجَ تتصادى به.

الشاعر بسام موسى – لبنان