12 Views

بعد العبور

عامان على زيارتها الأولى لتلك المدينة، ولذلك المكان الذي سكن بين صفحات القصص المروية والمدفونة. هناك كانت ملامح الخريف الصفراء تتسابق وذكريات حديقة القصر الهائم على وجه التاريخ، قصرٌ يبقى يساهر العابرين على جدرانه المتخمة بأحداث لا تصمت، يوشوش آذان قلوبهم بحكاية حب تَكْبُر العمر عمرا، حكاية ترعرعت بين ضلوعه المنكسرة قهرا حتى ازهرت اساطير.
همست لها صديقتها وهي محجوبة عن الوعي بذكريات شبيهة : لا تقلقي، لن ينسى، ليس بمقدروه النسيان وقد عرفك.. انت يا صديقتي تشبهين ملكة هذا القصر، أنثى تترك آثار مرورها على جسد التاريخ، انثى عصية على النسيان..
نعم، قد يظن اليوم أنه بخير، وان غيابك حادثة كحوادث السير الطفيفة اليومية، تلك التي تنتهي بكسر يحتاج بعض الوقت والترميم، لكنه سيدرك متأخرا حجم الوجع المنغرس في حناياه، وسيحصد خساراته الجسيمة وسيقر قلبه معترفا ان حبك كان أعظم حدث في جغرافيا عمره وان طيفك قد تجذر في تراب روحه حتى استوطن ..
يا صديقتي، ستنسين، وستعبرين يوما هذا الألم المعقود على أنفاسك، يومها سيجلس هو على كرسي يطل على الذكريات وسيحكي للعابرين، أولئك الذين سيراهم خيالات بالكاد يبصر ملامحها، سيحكي لهم عن حبه الكبير، وعن تلك الفتاة التي تستسلم اللغات حين وصفها؛ في قلبها حب يدفئ صحارى الجليد الممتدة على غربة الروح والقلب ..وبين يديها سحر يقلب الموازين ويخبئ اسرار الفرح .. فتاة ما مر لها في العمر شبيه..

ابتسمت لصديقتها وقالت: نحن حين نمضي لنغادر الاماكن والاشخاص نكون قد عبرنا الى ضفاف أخرى، وبعد العبور لا همّ ان نسوا ولا نفع ان تذكروا.. .. نحن نعبر ونترك للاخرين مساحاتهم كلها… وليملؤوها كما يريدون، وليدركوا متأخرين او لا يدركوا ..
يا صديقتي ما همنا الا من شاركنا ماضينا وغدنا.. من كان معنا في سراء العمر وضرائه.. أقسم ان ما دام في الشرايين رمق لحياة، ما غادر تلك الامتار التي تحيط بنا..

الكاتبة نسرين حمود